تحقيقات الكيماوي في سوريا... الحقيقة تأتي متأخرة

تحقيقات الكيماوي في سوريا... الحقيقة تأتي متأخرة
تحقيقات الكيماوي في سوريا... الحقيقة تأتي متأخرة
تحقيقات | ٠٩ أبريل ٢٠٢٠
روزنة|| بدأت القصة مع صباح يوم الـ 24 آذار عام 2017، حيث كانت حالة الأرصاد الجوية في المنطقة في الصباح الباكر ممتازة لتنفيذ طلعة جوية لمهمة خاصة مناسب جداً. رياح خفيفة وسماء صافية، أشرقت الشمس حوالي الساعة 5:30. هذه الشروط كانت مواتية لاستخدام الطائرات الحربية لقوات النظام السوري قصف مشف اللطامنة بغاز السارين.

ويثار العديد من التساؤلات القانونية حول تأثير التقرير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية حول استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا "IIT"، والذي خلص إلى تحميل مسؤولية هجمات كيماوية على بلدة اللطامنة بريف حماة (وسط سوريا)، إلى النظام السوري بشكل مباشر. هذا التقرير الذي يُشكّل أداة اتهام قضائية أمام المحاكم خلال الفترة المقبلة، وهو ما يعتبر دليل إدانة بحق النظام السوري. وحمّلت لجنة التحقيق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، للمرة الأولى النظام السوري مسؤولية "اعتداءات بالأسلحة الكيميائية".

من هم المسؤولون؟

تقول منظمة السلاح الكيميائي في تقريرها، رغم أنها لم تحصل على تراتبية الأوامر لتنفيذ هذه الاعتداءات لكنها على يقين أن هذه الهجمات لا تحصل إلا بناءً على أوامر من أعلى مستويات قوات النظام السوري. وهو الأمر الذي يوضحه العقيد الركن مصطفى الفرحات؛ بشكل مستفيض. 

الفرحات، والذي كان ضابطاً من مرتبات القوى الجوية قبل انشقاقه، يشير خلال حديث لـ "روزنة" أن توجيه أوامر القصف لدى القوى الجوية يتعلق بطبيعة المهام العسكرية فهناك مهام على درجات عالية من السرية، وتكون أهداف محضرة مسبقا وموضوعة بظرف مختوم بالشمع الأحمر، و توضع بحقيبة قائد اللواء ويطلع عليها 3 شخصيات فقط في المطارات العسكرية بينهم ضابط أمن.

وأما في حالة العمليات المتعلقة بالسلاح الكيميائي يوضح العقيد الركن بأنها تكون من المهام ذات السرية الأعلى، وتصل مختومة من قيادة القوى الجوية (مكتب اللواء جميل الحسن)، و حتى لا يعرف بها قائد اللواء. 
 
 
تلك المهام تأتي حصرا من القائد العام للجيش والقوات المسلحة (بشار الأسد)، وعندها لا أحد يملك القرار بالتذخير والقصف بالأسلحة الكيماوية سوى الأسد، ينوه الفرحات، و أما من يطّلع على هذا النوع من المهام هم 3 أشخاص فقط، القائد العام و الضابط الذي سيقوم بتنفيذ العملية، و اللواء جميل الحسن مدير إدارة المخابرات الجوية". 

السلاح الكيماوي المستخدم في عملية قصف مشفى اللطامنة قد يعود إلى وحدة تخزين و إنتاج الأسلحة الكيميائية والتي تسمسى بـ "وحدة الكيمياء" وتتبع للقوى الجوية في قوات النظام، وتنحصر مهمتها في تخزين وإنتاج الأسلحة الكيميائية، و يقع مقرها بالقرب من مطار الضمير العسكري بريف دمشق.
 
 
كانت اللطامنة في ذلك الوقت تعتبر مركزًا لوجستيًا مهمًا للمعارضة المسلحة  لفصيل جيش العزة، وكان يُستخدم لإعادة إمداد الوحدات العاملة في المنطقة. استخدمت الجماعات المعارضة بلدة خان شيخون القريبة كقاعدة لشن بعض الهجمات الأولية في آذار 2017.

بعد الإطلاع على تقرير لجنة التحقيق، فإن هناك مسؤولون إضافيون عما جرى في اللطامنة؛ ولو بدرجة أقل من الشخصيات التي أمرت بتنفيذ الهجمات، منهم كان قائد الفرقة 22 اللواء مالك حسن، و قائد اللواء 50 العميد إبراهيم محلا، و قائد مطار الشعيرات العميد الركن علي حسن منصور.

التدخل العسكري تحت الفصل السابع؟ 

المحامي المختص بالقانون الدولي، بسام طبلية يقول في حديث لـ "روزنة" أن القرار الذي يدين استخدام النظام الأسلحة الكيماوية، اتبع فيه العديد من الأدلة المتعلقة بشهادات الأطباء، والمصابين، وعينات من التربة وعينات من الأسلحة الكيميائية مثل مقذوفات وغيرها.

الدليل الدامغ الذي يثبته القرار؛ يمكن الاستفادة منه في إدانة النظام، بحسب المحامي الذي طالب المجتمع الدولي من خلال محافظته على السلم والأمن الدوليين أن يبادر لتبني مطالب الشعب السوري في "سحب الشرعية من هذا النظام واستبداله بما يتلائم مع الرغبة الشعبية، إذ أن استخدام السلاح الكيماوي بمواجهة الشعب السوري الأعزل هو خرق واضح للمبادئ الأممية، و خرق للمعاهدات الدولية التي أبرمها النظام المتمثلة في التخلص من السلاح الكيماوي". 
 
 
بينما يُذكّر بأن القرار 2118 الصادر عن مجلس الأمن (أيلول 2013 ) والذي طالب النظام بتسليم الأسلحة الكيماوية، وأنه في حال عدم امتثال النظام لهذا القرار فإن الفقرة 21 منه سيتم تطبيقها؛ من حيث اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ القرار تحت الفصل السابع (أي استخدام القوة العسكرية) بحسب تعبيره. مذكراً بأنه من "الثابت قانونيًا أن هذا النظام لم يلتزم بالقرارات الأممية؛ مما يعني أن على مجلس الأمن اتخاذ القرارات اللازمة الآن من أجل إسقاط النظام غير الشرعي".

و الفصل السابع هو الميثاق الوحيد الذي يتيح استخدام القوة عبر قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبالرغم من ارتباطه باستخدام القوة والتدخل العسكري بمباركة من مجلس الأمن، فإن هذا الفصل المكون من 13 مادة يتدرج في التعامل مع الحالات التي تشكل "تهديدا للسلم أو إخلالا به".

ويسمح الفصل بممارسة ضغط على بلد لكي يمتثل لقرارات مجلس الأمن الدولي، عبر إقرار ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، ويمكن أن تتضمن هذه التدابير "وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات، وقفا جزئيا أو كليا، وقطع العلاقات الدبلوماسية".

وإذا رأى مجلس الأمن أن هذه التدابير "لا تفي بالغرض"، بإمكانه اللجوء إلى المادة 42 التي تجيز له "أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه".

وتتعهد جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة -وفقا للمادة 43- بأن "تضع في تصرف مجلس الأمن بناء على طلبه وطبقا لاتفاق أو اتفاقات خاصة، ما يلزم من القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات الضرورية لحفظ السلم والأمن الدولي ومن ذلك حق المرور".

مواقع الاستهداف 


شهادة الناشط محمود الحموي  

على أساس جميع المعلومات التي تم الحصول عليها وتحليلها، خلص فريق التحقيق في منظمة الاسلحة الكيميائية، إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن:

(أ) في حوالي الساعة 6:00 من يوم 24 آذار 2017 ، طائرة عسكرية من طراز "سوخوي 22" تابعة للواء 50 التابع لسلاح الجو السوري. المروحية المغادرة من قاعدة شعيرات الجوية، أسقطت قنبلة جوية من طراز M4000 تحتوي على السارين في جنوب اللطامنة.

(ب) في حوالي الساعة 15:00 من يوم 25 آذار 2017 ، طائرة عمودية تابعة لطائرة من سلاح الجو الحربي للنظام السوري فإن القوة المغادرة من قاعدة حماه الجوية قامت بإسقاط اسطوانة على مستشفى في اللطامنة ، وسقطت اسطوانة غاز الكلور على سقف المستشفى من خلال الذي تمزق و أدى إلى انتشار الكلور، ما أثر على 30 شخصاً على الأقل.

وذكرت بعثة تقصي الحقائق أن غارتين بطائرات هليكوبتر مما أدى إلى إصابة أربعة براميل أسطوانية، استهدفت مستشفى اللطامنة والمنطقة المحيطة بها. حيث قضى الطبيب علي درويش في هذا الاستهداف و الذي كان متواجداً في غرفة العمليات آنذاك جراء استنشاقه للغاز. 

وقد وضعت أربعة سيناريوهات لتنفيذ الهجوم، وهي:

(أ) تم تحضير سلاح كيميائي في مكان آخر ونقله إلى الموقع أو حوله من الحادث الذي حددته بعثة تقصي الحقائق ؛ أو (ب) تم إطلاق سلاح كيماوي على الموقع ؛ أو (ج) تم نشر سلاح كيميائي بطريقة أخرى في الموقع، على سبيل المثال تم إطلاقه من الأرض؛ أو (د) عدم وقوع هجوم بالأسلحة الكيميائية ، ولكن وقع سلاح تقليدي تم نشره أو إحضاره إلى الموقع، بينما تم استخدام الكلور في المواقع لاحقًا حيث "شن" هجوم كيميائي وإلقاء اللوم على جانب واحد من الصراع.

 حوالي الساعة 6:00 يوم 30 آذار 2017 ، طائرة عسكرية من طراز سوخوي 22 تابعة للواء 50 التابع للفرقة 22. القوة المغادرة من قاعدة شعيرات الجوية، أسقطت قنبلة جوية من طراز M4000، تحتوي على السارين في جنوب اللطامنة أثرت على 60 شخصا على الأقل. وبحسب مركز التوثيق في ريف حماة قضى عشرة أشخاص عشر و أصيب نحو خمسين شخصا بالاختناق. 
 
و يقع مستشفى كهف اللطامنة على بعد كيلومترين شمال غرب مركز البلدة، بالقرب من شبكة من الأنفاق، والتي تستخدمها جزئيا مقاتلي المعارضة، حيث بُني المشفى داخل جرف صخري في أحد جبال المدينة وكان يخدم أكثر من 25 ألف مدني ومقاتل من أبناء اللطامنة والقرى المحيطة بها، وهو ثمرة جهود وتعاون بين المدنيين والطواقم الطبية والقوى العسكرية في المنطقة.

وكانت تكمن أهميته في كونه الأقرب لجبهات القتال مع قوات النظام في ريف حماه الشمالي (أقل من 20 كم)، فكانت الكوادر الطبية تضطر قبل ذلك لنقل الجرحى لمسافات بعيدة، ويحوي المشفى الذي يقدم خدماته لكافة المدنيين والعسكريين، جناح عمليات وغرف عيادة جراحية وغرفة أشعة وعيادات لاستقبال المرضى والمصابين، إضافة لغرفة تعقيم وقسم مخبري وصيدلية.

الأسطوانة الأولى سقطت على سطح المشفى، الاسطوانة الثانية سقطت عند باب الكهف الآخر و الذي يستخدم كمخرج، ورغم أن الباب كان مغلقاً لكن الغاز تسرب من أسفل الباب.

وخلصت إلى وجود قوات متعددة تابعة لجيش النظام السوري البرية والجوية ، و قوات سهيل النمر و حسب سانا فإن هذه القوات كانت متمركزة في المنطقة لمحاربة جبهة النصرة.
 
كيف جمعت منظمة الأسلحة الدلائل

تقول المنظمة إنها حصلت على المعلومات من خلال المقابلات التي أجريت مباشرة من قبل المعنيين باجراء التحقيق وكذلك تحليل العينات ومراجعة النتائج المختبرية وتحليل مخلفات الذخائر والتقارير اضافة إلى المشورة من الخبراء والمتخصصين ومعاهد الطب الشرعي ، إلى جانب الجهات الأخرى ذات الصلة المواد والمصادر. 
 
وتذكر المنظمة إن فصائل المعارضة و المدنيين القاطنين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تعتمد على شبكات المراصد للطائرات منذ انطلاقها وحتى انهاء مهمتها، حيث تشكل ما يسمى دائرة انذار مبكر للحماية. وحسب التقرير لا تحقق هذه المراصد الفاعلية المطلوبة منها ذلك أن الغازات الكيماوية تتسرب في داخل الأقبية والأرض. 
 
 
و قالت المنظمة انها راجعت حركة طيران التحالف الدولي في شهر آذار، وقالت أن التحالف نفذ غارات جوية في المناطق الاربعة التالية فقط : الرقة - دير الزور- ادلب - حلب، مشيرة إلى أن طائرات التحالف الدولي لم تكن موجودة في شمال حماة أو جنوب إدلب ضمن هذه التواريخ 24 أو 25 أو 30 آذار 2017.

وبحسب تحليلات فان الملف الكيميائي (أي مجموعة من المواد الكيميائية) للسارين المستخدمة في اللطامنة بتاريخ في 24 آذار 2017 يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالملف الكيميائي المتوقع للسارين المنتج من خلال تفاعل ثنائي حيث مكون (DF) عبر الطرق، وكذلك باستخدام السلائف والمواد الخام ، التي تتبعها الجمهورية العربية السورية في برنامج السارين.

ماذا عن روسيا؟

التقرير الصادر عن فريق التحقيق، وغاب فيه أي تحميل مسؤولية لروسيا، وهي الحليفة الرئيسية للنظام السوري والداعمة المباشرة له عسكرياً منذ تدخلها في سوريا (أيلول 2015)، قد يكون أمام هذا الغياب عدة إشارات استفهام، بخاصة وأن الوقائع الميدانية في ذلك الوقت كانت تشير إلى أن روسيا كانت على علم بكل التحركات الجوية العسكرية ما يعني أنها لا تتحرك دون إذن منها. 

في تشرين الأول عام 2015، (بعد شهر واحد من التدخل الروسي)، اتفقت موسكو مع واشنطن على إقامة قناة تواصل بين الطرفين من أجل التنسيق الجوي بين قواتهما في الأجواء السورية، فيما يدلل إلى أن الضبط الروسي للأجواء السورية كان حاصلاً حتى ما قبل الهجوم الكيميائي على بلدة اللطامنة بأكثر من سنة ونصف. 

 توافقت بعض التقارير الأممية السابقة وكذلك التصريحات المنسوبة لمسؤولين رفيعي المستوى في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أن موسكو كانت خلال السنوات الفائتة؛ داعماً شبه دائم لدمشق في عملياتها العسكرية، غير أن تقرير فريق التحقيق الخاص بالكيماوي لم يقحم اسم روسيا صراحة ولم يشر إلى أي مسؤولية تلحق بها في ذلك الهجوم على بلدة اللطامنة.
 
المتخصص في الشؤون الروسية، د.عمرو الديب، يقول في حديثه لـ "روزنة" أن الفصل المواقف بين موسكو ودمشق لا يمكن أن يحصل، فيما لو كانت الغاية من إزاحة روسيا ودعمها السياسي والديبلوماسي للنظام بعد اتهامه بالمسؤولية عن الهجوم الكيميائي.

ويتابع معتبراً أن الولايات المتحدة قد تكون سعت لإبعاد أية اتهامات تلحق بروسيا في محاولة من واشنطن لعدم إثارة موسكو في الفترة الحالية، بخاصة وأن قرار التحقيق جاء قبل ساعات من اجتماعات "أوبك بلس"، و واشنطن تريد بالفعل أن تكسب الموقف الروسي في هذا الملف، وفق تعبيره.

ويضيف "هذه القرارات و التقارير تأثيرها لا يتعدى التأثير الإعلامي، و لن يكون لها أي تأثير قانوني و السبب هو الفيتو الروسي و بجانبه الفيتو الصيني".

و بين الاتهام و تحقيق العدالة بتحويل المجرمين والمسؤولين عن هذه الهجمات الكيماوية، وبعد مرور تسع سنوات من رصد الانتهاكات التي يقوم بها النظام السوري وعدم وجود مسائلة حقيقية، أو أي تطور في ملف المعتقلين والمغيبين القسريين يقول باسل القاسم، وهو ناشط اعلامي وثق العديد من الانتهاكات التي مارسها النظام السوري في منطقة ريف حماة:" لا يوجد أمل في تحقيق العدالة اليوم، فالمجتمع الدولي مجتمع متواطئ مع الأسد، فالجميع يبحث عن مصالحه ولو أرادوا محاسبة الأسد حاسبوه منذ تسع سنوات".

بينما يقول الناشط محمد حموي: " نستبعد تحقيق العدالة بسبب حماية روسيا للنظام السوري، و لو أن أهالي مدينة اللطامنة يأملون بتحقيقها لكن المجرمون يحمون المجرمون".